أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
175
الكامل في اللغة والأدب
ذكر الخوارج وأمر عليّ بن أبي طالب ، قال : يروى أن عليا في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبديّ ، وقد كان وجّهه إليهم ، وزياد بن النضر الحارثيّ مع عبد اللّه بن العباس فقال الصعصعة : بأي القوم رأيتهم أشدّ إطاقة « 1 » ؟ فقال : بيزيد بن قيس الارحبيّ . فركب عليّ إليهم إلى حروراء فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس ، فصلّى فيه ركعتين ثم خرج فاتكأ على قوسه ، وأقبل على الناس . ثم قال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة أنشدكم اللّه أعلمتم أحدا منكم كان أكره للحكومة مني ، قالوا : اللهم لا ، قال : أفعلمتم أنكم أكرهتموني حتى قبلتها ، قالوا : اللهم نعم ، قال : فعلام خالفتموني ونابذتموني ؟ قالوا : إنا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى اللّه فتب إلى اللّه منه واستغفره نعد لك . فقال عليّ : إني أستغفر اللّه من كل ذنب . فرجعوا معه وهم ستة آلاف فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا رجع عن التحكيم وراه ضلالا ، وقالوا : إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع ويجبى المال فينهض إلى الشام ، فأتى الأشعث بن قيس عليا عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين أن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والإقامة عليها كفرا ، فخطب عليّ الناس فقال : من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ، ومن رآها ضلالا فهو أضلّ . فخرجت الخوارج من المسجد فحكّمت ، فقيل لعلي إنهم خارجون عليك ، فقال : لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون فوجّه إليهم عبد اللّه بن العباس فلما صار إليهم رحّبوا به وأكرموه ، فرأى منهم جباها فرحة لطول السجود وأيديا كثفنات « 2 » الإبل عليهم قمص مرحّضة وهم مشمّرون . فقالوا : ما جاء بك يا أبا العباس ؟ فقال : جئتكم من عند صهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وابن عمّه وأعلمنا بربه وسنّة نبيه ومن عند المهاجرين والأنصار . قالوا : إنا أتينا عظيما حين حكّمنا الرجال في دين اللّه
--> ( 1 ) إطاقة : أي تعلقا والماما . ( 2 ) ثفنات الإبل : جمع ثفنة بكسر الفاء وهي ما ولي الأرض من كل ذات أربع إذا بركت كالركنين وغيرهما ويحصل فيه غلظ من أثر البروك .